جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الصوتيات

اعلانك هنا







المتواجدون الآن




المقالات
مقالات
مصطفي قطبي
الفساد... آفة تقوّض العدالة وتهدّد التنمية
الفساد... آفة تقوّض العدالة وتهدّد التنمية
01-25-2012 11:07 PM

الفساد... آفة تقوّض العدالة وتهدّد التنمية...؟!
بقلم: مصطفى قطبي


الفساد ليس مجرد كلمة إنما هو مرض عضال يضرب مؤسسات الدولة ومؤسسات القطاع الخاص ويعشش في كل مكان إذا أتيح له ذلك. فهو أقل ما يقال فيه إنه الداء المستعصي على إيجاد الدواء له إذا استفحل في مكان ما. والفساد موجود في كل زاوية من زوايا المجتمع العربي الواسعة والمتعددة، ومنها الفساد السياسي والفساد الاقتصادي والإداري والاجتماعي والثقافي والاعتقادي. إنه الفساد ذلك السلوك المناقض للفضيلة ومن المفيد الإيضاح أن الفاسدين المفسدين في المجتمعات كافة لم يقدموا شيئاً مفيداً لمجتمعهم بل إنهم يبخلون بكل شيء ويسعون وراء كل شيء والمال لديهم زينة وامتياز ومصدر قوة دون أي اهتمام بالعمق الاجتماعي الواجب تحقيقه إنهم ممقوتون لأنهم يقولون ما لا يفعلون. أما فساد الاعتقاد فهو طمس للحقائق وتغييب للعدالة لتسود الظنون النابعة من الغرائز غير المنضبطة التي تعتمد على الشك والإنكار والأوهام والمكر والختل والكذب والخداع والاعتقاد الخاطئ وثبات الفكرة الخاطئة ممن يهزون القيم الإنسانية النبيلة دون رحمة على حين أن الظن هو أكذب الحديث. وأنصار الفساد ليسوا قلة ولا أسنانهم أسنان حليب، فهم منظومة متكاملة تعيث خراباً أينما حلّت، فالفاسدون يمكن توصيفهم بحزب الفساد الذي يعد من أكبر الأحزاب وأكثرها منعة وانتشاراً، فهو لا يعرف هويات ولا يعرف حدوداً، لكنه يعرف طريقاً واحداً هو تخريب المجتمع ومؤسساته. وإذا كان الفساد عابر للقارات إلا أن الدول العربية تنميه وتعتني به حتى أصبح حالة طبيعية في حياة شعوبها. وكشف المدير العام لمنظمة العمل العربية ''أحمد لقمان'' في تصريح صحفي، أن حجم الفساد في الدول العربية بلغ 400 مليار دولار وفقاً لتقديرات البنك الدولي. ولو تمّ استثمار هذا المبلغ فإنه كان سيساعد في توفير نحو 18 مليون فرصة عمل جديدة مما سيمكن سوق العمل العربية من استيعاب أفواج كبيرة من الراغبين في الشغل.
ونخلص بذلك إلى أن محور الفساد هو رجل الوظيفة العامة الفاسد ويقابله أفراد فاسدون من المجتمع مروراً بمراحل التسلسل الوظيفي واستغلال السلطة بكل أنواعها وبما يتعارض مع القواعد التي تضبط قواعد الأداء. أما أشكال الفساد فإنها تعني ممارسة الفساد عبر المستوى الوظيفي أو المهني لمن يقوم بأعمال فساد، والدائرة التي يتم التحرك بها في ممارسة الفساد بأشكاله المتعددة التي منها الرشوة سواء أكانت نقدية أم عينية بغية تجاوز النظم والقوانين وهذا هو جوهر ظاهرة الفساد وأوسع مظاهره شيوعاً وارتكاباً.
أما المحسوبية فإنها تتبدى عبر التوزيع غير العادل للموارد وإشغال الوظائف من قبل غير المؤهلين والمحاباة غير الموضوعية للأقارب والأصدقاء، أما أشد أنواع المحسوبية خطراً فهي المحسوبية الدستورية حيث يتم حصر سيادة القانون بالبعد الإجرائي المقتصر على تطبيق منطوقه دون أن يمتد في معناه الأسمى إلى العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص فكلما كان المجتمع مستقراً وتوزيع الثروة عادلاً ساد القانون وترسخ دون الحاجة إلى القوة الخشنة.

أما الابتزاز، فتعريفه أنه انتزاع شيء ذي قيمة قسراً مقابل عدم استخدام السلطة أي عدم تعريض الآخرين أو مصالحهم للمساءلة القانونية. فالاختلاس، هو الاستيلاء على ما هو ذو قيمة اقتصادية من حامل الوظيفة العامة لأن المختلس لا يستطيع الاستيلاء على ما يريد إذا لم يكن ذا نفوذ سلطوي يمكنه من ذلك، ولا بد أن يكون في علم الجميع أن الاختلاس ظاهرة تفوق فساد الرشوة تأثيراً لأنها نهب منظم واستنزاف مستمر لما هو عام، إنه توسيع لنطاق الأعمال الخاصة على حساب المصلحة العامة لذوي النفوذ.
أما الاحتيال، فهو تشويه أو تزييف للمعلومات والحقائق لتحقيق منافع خاصة وله أشكال متعددة الأطراف والاتجاهات وأخطرها احتيال ذوي النفوذ لأن هذا الاحتيال يلحق الأذى بأفراد المجتمع ويخل بالثقة العامة وينهي كل مصداقية. لكن الفساد له نوعان من المستويات: الفساد على المستوى الكبير وهو الفساد السياسي، والفساد على المستوى الصغير وهو الفساد الإداري.

أما الفساد الكبير فهو انحراف بالسلطة بعيداً عن الحق والعدل وتحقيق حماية ذوي النفوذ الاقتصادي وهنا يتبين لنا سبب تهافت رجال المال والأعمال على المناصب ذات الحصانة لأن كل مزاياهم أنهم أغنياء فقط قادرون على شراء الذمم.

أما الفساد الصغير فهو الفساد الإداري الذي يستشعره أبناء المجتمع بشكل حسي كل يوم لدى مراجعة أي جهة من الجهات الرسمية أو شبه الرسمية ومنها الجهات المالية والوحدات الإدارية والدوائر العقارية والمستشفيات العامة وغير ذلك الكثير. إنه فساد صغير لأنه صادر من جهات مسؤولة تملي على الموظف الصغير رغبتها وتفسح المجال أمام هذا الموظف صاحب التعامل مع الناس لممارسة الفساد وصولاً إلى علنية الممارسة الوقحة للفساد، وعندها يصبح الفساد الكبير هو الراعي والحامي للفساد الصغير والمدافع عنه والحاضن له والمنمي لأساليبه إنه الفساد القائم بشقيه الكبير والصغير في معظم المجتمعات العربية، حيث يتسلل إليها فارضاً ذاته وأجهزة امتصاصه بين جوانبها. والفساد هنا نجده مرتبطاً بمداعبة العواطف والشهوات وإشباع الرغبات بعيداً عن إعمال العقل الذي إذا توارى توارت معه كل المبادئ والقيم.

أما ساحة نشاط الفساد فهي في نطاقيه العام والخاص، فساحة فساد النطاق العام تكون لدى الجهات الرسمية ويكون من يمارس الفساد موظفاً أو عاملاً أو مسؤولاً بهذه الجهة العامة. وساحة الفساد في النطاق الخاص يكون بين أفراد المجتمع والمؤسسات الخاصة حيث تتراجع قيمة العمل لتحل محلها الوصولية والانتهازية المؤدية إلى الإحباط المجتمعي العام وهنا تبرز أهمية محاصرة الفساد العام والخاص لأن محاصرته شرط أساسي لتطويق الفساد الخاص حيث إن الفساد في نهاية الأمر هو إفساد المؤسسات الاقتصادية والسلطوية والثقافية.

أما الفساد فله أسباب منها: السبب الاقتصادي ويتمثل بانخفاض مستوى المعيشة وتردي الظروف الاقتصادية، الأمر الذي يحمل بعض أفراد المجتمع ومن رحم معاناتهم لمصاعب المعيشة إلى التورط في بعض سلوكيات غير قانونية لتحقيق مكاسب مادية لمواجهة الظروف المعيشية الصعبة عبر دخولهم في فك الفساد المفترس، وما يجب خشيته أن يصل الفساد إلى البيت عندما تطلب ربة المنزل المقابل لقاء ما تقوم به من أعمال كإعداد الطعام وغيره، التدخل الرسمي في النشاط الاقتصادي وتردي أداء هذا النشاط وتدني كفاءة وسلامة الأجهزة الرقابية وإحداث الثغرات عبر التعاريف أو التعليمات للولوج منها إلى تعطيل النظم وفتح باب ممارسة الفساد دون ترك أي دليل لإثباته حسب الصيغ القانونية مع صعوبة تشخيصه للتعامل معه، تدني مستوى الرواتب والأجور ولاسيما في القطاع الحكومي وينتج عن ذلك عدم توافر وسائل وأسباب الحياة العزيزة لهذه الأسر بسبب عدم كفاية الدخل وهنا تبرز الحاجة لزيادة مستويات دخول العاملين لأنها ستؤدي إلى التقليل من ممارسة الفساد مع الحاجة الملحة إلى عدم منح الامتيازات والمكافآت للمقربين وحرمان الآخرين من المخلصين والمثابرين والمجدين حتى لا ينزلقوا إلى مرتبة الفاسدين، غياب القدرة التنافسية وهذا الغياب يكون بسبب هيمنة عدد من الشركات المتنفذة على السوق وعدم فاعلية القوانين الرادعة معها وهذه الشركات المسيطرة تحصل على مستويات عالية من الربح ما يدفع ذوي الصلة من العاملين الرسميين للحصول على العمولات والرشوة وغير ذلك، الأمر الذي ينتج عنه ضعف الإنتاج وتراجع مستوى الخدمات الوطنية. وأمام هذه الأسباب تبرز الآثار الاقتصادية للفساد التي تعوق التطور الاقتصادي بسبب سوء استغلال الموارد وانهيار القيم الاجتماعية وسلوك نهج تخطي النظم والقوانين وتناول ظاهر الأمور الفاسدة وليس الجوهر الموجب لتبسيط النظم والقوانين، والتعليمات دون استسلام لجمودها وتعقيدها والتطاول عليها.

فالدول العربية في حاجة إلى اعتمادات تقدر بـ 85 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة لمواجهة أزمة البطالة ويجب اتخاذ إجراءات وتدابير اقتصادية لمحاصرة آفة الفساد والقضاء عليها. كما على الدول العربية إعطاء الأولوية في خططها وميزانياتها لمشاريع تشغيل الشباب والتصدي لظاهرة الباحثين عن العمل والتخفيف من حدة الفقر وضرورة محاربة الفساد بكل أشكاله المالية والإدارية وتطهير المجتمعات العربية من كل مظاهره، لأن الفساد لم يعد محصوراً في النطاق الإداري والمالي بل بات معششاً في الأفكار والآراء ويسكن في وجدان الكثيرين الذين لا يعترفون بحق الآخر بالعيش في حياة حرة كريمة تخلو من الإرهاب الفكري وإلغاء الآخر.

وأخيراً وليس آخر أقول: لا تستطيع صحافة أن تحارب الفساد إذا وصل إلى قلبها الفساد، وصار رؤساء التحرير معينين بقرار فوقي أو بسبب القرابة، لا تستطيع صحافة أو أية وسيلة إعلام أن تحارب الفساد دون أن يكون هناك إعلام حر لا يخضع لرقابة الفاسدين. وليس بمقدور قضاء أن يحارب الفساد إذا وصل الفساد إلى شرايينه وراح ينخر في عظامه، ليس بمقدور القضاء أن يكون قضاءً إلا إذا كان مستقلاً عن السلطة التنفيذية، وتأتي أحكامه من وحيه النزيه. ليس لمؤسسة أن تحارب الفساد إذا كانت هي مصنعاً للفساد، ولكن لا صحافة ولا قضاء ولا مؤسسة قابلة لأن تحول دون ظهور الفساد، أو تحد منه، أو تشن حملة عليه دون ديمقراطية تحمي الفرد وينتصر فيه المواطن. فالمسألة هي عبارة عن حلقات مترابطة تكون الركائز الأساسية للمجتمع الذي تقاس حيويته بمدى تفاعله مع التطور القائم على احترام حقيقي لنظام عماده المؤسسات والتوازن ما بين حقوق وواجبات الوطن والمواطن.

تعليقات 5 | إهداء 1 | زيارات 516



خدمات المحتوى


التعليقات
#5254 Morocco [عبد الله المنصور]
0.00/5 (0 صوت)

01-26-2012 12:03 AM
أنا من المتتبعين الدائمين لصحيفة مكة وبكل الصدق والأمانة أقول أن الفساد هو أكبر آفة تنخر المجتمعات العربية. ومكة إذ تنشر هذا المقال الهام فإنها تساهم بالإضاءة على أكبر آفات هذا العصر.فشكرا لصحيفة مكة,

[عبد الله المنصور]

#5257 Morocco [said bikri]
0.00/5 (0 صوت)

01-26-2012 10:09 AM
موضوع هام جدل جدا.وأعتقد جازما أنه في حالة إذا ما انعدمت أصناف الفساد في مجتمعاتا العربية،إذاك سنصبح خير أمة أخرجت للناس.ولكن للأسف فالفساد يستشري في عصب كل الإدارات والمؤسسات العربية.

[said bikri]

#5259 Morocco [أم نور]
0.00/5 (0 صوت)

01-26-2012 04:18 PM
أعتبر المقال وثيقة حية تفضح الفساد والمفسدين وطرق الإفساد في عالمنا العربي. وما أتعس المجتمع الطي يعشش الفساد في كل مرافقه ومؤسساته.شكرا لصحيفة مكة التي تعمل على إنارة المسالك المظلمة في العالم العربي.فالصحافة الحقيقية لا يقتصر دورها فقط على الإخبار بل على فضح كل المفسدين وأساليبهم.

[أم نور]

#5263 Morocco [نادر الهوني]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2012 07:41 PM
شكرا لكم على هذه الإطلالة التنويرية من صحيفة مكة المكرمة. والله نحتاج إلى صحافة تكون مرآة للمجتمعات العربية والإسلامية فقد انتشر الفساد في الأرض والسماء وما من حيلة لردع المفسدين إلا مثل هذه المقالات التي تجعلهم يحسبون ألف حساب قبل الإقدام على الإفساد

[نادر الهوني]

#5268 Morocco [حسين ندراوي]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2012 10:58 AM
الفساد في مجتمعاتنا أصبح منتشرا بشكل كبير نظرا لانعدام الوازع الديني والأخلاقي.فالمجتمع الذي تضيع أخلاقه يبقى مجتمعا مشرعا على كل أنواع الفساد السياسي والاقتصادي وغيره.لهذا فمسألة محاربة الفساد تتطلب إرادة صلبة وقوية من كل الجهات سواء الحكومية أو الشعبية.

[حسين ندراوي]

مصطفى قطبي
مصطفى قطبي

تقييم
10.00/10 (4 صوت)

بنرات vip

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.