فقيه أكواريوم
مستشفى محمد صالح باشراحيل

التحدي رغم أنف القراءة !!


التحدي رغم أنف القراءة !!


وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkahnews.net/?p=4990994

منذ الطفولة ونحنُ نحملُ في أخيلتِنا صورةَ تلك المباني المزيّنة بعبارات “العلم نورٌ والجهل ظلام” ؛ فلا نراها إلا جنةً وارفةَ الظلالِ تُسقى بنهر القراءة وتسمو قامَتُها بالكتب ، وكبرْنا وخطوْنا عتباتِ الجنانِ الموْعُودَةِ في انتظارِ أنْ يُرشِدَنا مُعلّمونا إلى خيرِ جليسٍ في ذاك الزمان المأمول .
كنا في انتقالنا من مرحلة دراسية إلى أخرى نُجدّدُ الأملَ بأنّ الثمار تنتظرُنا وأنه لابدّ أن نصلَ إليها عبر تلك المؤسسةِ التعليميةِ التي اطمأنّ لها آباؤنا على أكبادهم التي تمشي إليها كلّ صباح ؛ إلى أنْ صدمَنا الواقعُ بمقرّراتٍ يَجْري فيها معلمُوها بـ”ماراثون” سنويّ على مأدبةِ توْزيع المَناهجِ المُثقلَةِ بمعلوماتٍ محشوّةٍ يَكفِي في هضمِها إشارةٌ دونَ استطراد !
ولنعُد إلى جنّتِنا الموْعُودة التي وجدناها بعد سنواتٍ قابِعَةٍ في رُكنٍ قصِيٍّ من مدْرسَتِنا العَامِرة .. لقد كانتْ غرفةُ مركز المَصَادِر التي يغلبُ عليْها البُعْدَ عن التعلّم رغم جُهُودِ أمَنائِها الخاصة في تزيينِ جُدْرانِها ، وبعْثِ الحيَاةِ فيها بقدْرِ استِطاعَتِهم وإنْ كانَ الثمنُ من جُيُوبِهم !
إنّ مَنْ ينظرُ إلى مكتباتِ مدارسِنا ناهيكَ عن المكتبات العامة ؛ سيرْثي لحالِها وما تُعانيهِ من بُطْءٍ في متابعة الجديد الذي يهُمّ الجميع ، وليس ما تقرّرُهُ التقليدية والقيود المصطنعة والوصاية الزائفةِ على العُقول والأفكارِ أنْ تشِطّ عن حُدودِ المُقرّرِ من قوالبَ مَرْضِيّة ومعرفةٍ قائمةٍ على المعْرِفة !
فمكتبات المدارسِ تئنّ من هِجْرانِ الطلابِ لكُتُبِها التي هي بذاتِها تُعانِي المُرّ منذ عقود وليس سنيناً ؛ فمِنْ نُدْرةٍ وقلةٍ فيها بمُعْظمِ المَدارس ، ومن غيابٍ لجديد إصداراتها في مدارس أخرى كثيرة أيضاً ، إلى إشكاليات أخرى أعمق في محتويات تلك الكتب التي قد تحوي : صراعات حزبية ومذهبية ، وفتاوى التكفير والتضليل والتبديع والتفسيق ، ويكاد يغلب على مكتبات المدارس الكتب الدينية والكتيّبات تحديداً التي انتشرتْ في زمنِ الصحْوَةِ وبقيتْ وترسّبتْ بعدَ ذلكَ بما كانتْ تحْمِلُهُ من أفكارٍ أذكتْ نارَ الإرْهابِ والتفجير لدى جماعاتِ القاعِدةِ سابقاً والدواعِش لاحقاً !
وقد استيقظتْ وزارةُ التعليم من سنواتٍ قليلةٍ على هذا الاختراقِ والمنهجِ الخفِيّ الذي يبثُّ من خلال مصادرهِ بالمكتباتِ بمُعاونةِ مَنْ يتبنّاهُ من مُعلمينَ وغيرِهم ؛ وقامتْ بسحْبِ كثيرٍ منْ تلكَ الكتبِ ومنْعِها بمكتباتِ المَدارسِ ولكنْ في زمنٍ باتتْ فيهِ المعْرفة مُتاحة عبر فضاء الإنترنت المفتوح ، بل أصبحتْ فيهِ المكتبة المدرسيةُ بكتبها ودوريّاتِها العتيقةِ آخرَ المَصادر التي يفكّر الطالبُ أنْ يستقي معلوماتِهِ منها !
كلُّ تلكَ الرّجعيّةِ التي تعيشُها مكتباتُنا المدرسية ناهيكَ عن عدمِ المواكبةِ لعالمِ الكتبِ والإصدارات المُتداولة بين يدي طلابِ اليوم من القرّاء كالروايات وكتب بعض المؤلفين الشباب المبدعين ؛ حيث تخلو المكتبة من أي روايةٍ أو كتاب حديثٍ إلا عن طريق الإهداء لها من الخارج ؛ وهذه أيضاً تقتلُها البيروقراطية ؛ حيث يُمنع على المدرسة قبول أيّ كتابٍ إلا بعد عرْضِهِ على لجنةٍ تشكّل – وتأخذ الإذن في ذلك من إدارة التعليم – لتبدي موافقتها على هذه الكتب المُهداة المفسوحة من وزارة الإعلام والمتوفرة بالمكتبات التجارية وفي كل مكان !!
ولما انطلقتْ مسابقة “تحدي القراءة العربي” العام الماضي على يد رائدها الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي – وما زالت مستمرة – زاد الضغط إيلاماً على جراح مكتباتنا المتخثّرة بقسوةٍ تعرّي واقِعَنا التربويّ المُتناقِضِ بينَ ما يُمارِسُهُ الطلابُ داخِلَ سُورِ المَدرسةِ وخارجَها في شتى النواحي وخاصةً الجانب المعرفي الذي قامت عليه المؤسسة التعليمية !
إن على وزارة التعليم المشرفة على المكتبات المدرسية أن تعي أهمية ودور المكتبة كمصدر للمعرفة المتجددة ، وليس مجرد غرفة ورفوف في مبنى ! أن يؤمن المسؤولون بالكتاب كعنصر مهم في رقي ونهضة أجيالٍ تستحقُّ أنْ يُبذل في سبيلها الغالي والنفيس !
ففي معرض الكتاب الدولي بالرياض 2017 مؤخراً قامتْ مؤسسة “المجلة العربية” بترجمة وطباعة عدة موسوعات علمية حديثة موجهة للطفل والناشئة بطباعة فاخرة وصور ملونة وحجم للكتاب مناسب لجيل الشباب ؛ فلماذا لا تقوم وزارة التعليم بشراء تلك الموسوعات وتوزيعها على مكتبات المدارس ، وقد التقيتُ في المعرض برئيس المؤسسة المسؤول عن تلك الموسوعات د.محمد السيف وأبدى تعاونه الكبير وحماسه للفكرة ؛ نفعاً للطلاب الذين من أجلهم تُرجمتْ وطبعتْ تلك الموسوعات .
إنّ معارض الكتب فرصة استثمارية معرفية كبيرة لو بادرت وزارة التعليم بشراء أحدث ما أصدره الناشرون من كتب الطفل والناشئة ، وعقد صفقات الكتب لإمداد المكتبات العامة ومكتبات المدارس والجامعات كما تفعل دول خليجية قريبة منا ذلك كل عام في معارضها للكتاب !
قد يحتج المسؤولون في الوزارة بضعف الميزانية ، ولكن عليهم البحث عن الداعمين والشراكات التي تدعم مثل ذلك الفعل المعرفي وقبلها الإيمان بقيمة الكتاب والمعرفة الجديدة في رقيّ أجيال المستقبل !

حسن محمد شعيب


1 التعليقات

    1. 1
      أم حامد

      كل شي ضعيف داخل المدارس لا مكتبات ولا رياضة ولا معامل ولا لغة عربية فصحى ! هناك الكثير يرغب في الشراكة مع التعليم والبعض اهتمو مؤخرا بمدارس التوحد …

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*