فقيه أكواريوم
مستشفى محمد صالح باشراحيل

بعد الهجرة السرية الاخصائيون حائرون لماذا يلجأ مئات الشباب الى الانتحار؟


ظاهرة الانتحار في تونس:

بعد الهجرة السرية الاخصائيون حائرون لماذا يلجأ مئات الشباب الى الانتحار؟



 تونس – وفاء الحكيري

 ظاهرة تنامت في المجتمع التونسي في الفترة الأخيرة وأزعجت الحكومة التونسية والنخبة و علماء الدين والاجتماع.  وفيما اعتبر بعض الاخصائيين أن ما يفسر سبب ارتفاع نسبة الانتحار أو الشروع فيه حرقا خاصة ما بعد 14 جانفي بطرق تتشابه مع موت محمد البوعزيزي مع انطلاق الثورة التونسية٬ هو تعبيرا عن عدم الرضا وورقة ضغط يستعملها البعض للفت النظر الى وضعياتهم الاجتماعية الصعبة، سيما وأن المناخ الجديد  ساهم في عرض وبسط كل المشاكل التي قد يواجهها الشخص علنا بعد أن أصبح سانحا لمعالجة كل الإشكاليات التي قد تعترض الفرد، فإن الدارسين لهذه الظاهرة لم يجدوا تفسيرا منطقيا لإقدام عدد كبير من الافراد من مختلف الأعمار على الانتحار. 

فلا يكاد يمر يوم دون حوادث صادمة ومؤلمة لأفراد وضعوا حد لحياتهم حرقا أو شنقا لتحدث شرخا داخل المجتمع التونسي بين مستنكر ومجادل ومتحجج بالفقر واليأس والبطالة وغياب الحلول لهذه المشاكل الاجتماعية المتفاقمة بعد امال كبيرة في خروج الفئة الهشة التي عانت كثيرا زمن الاستبداد الذي كرس طبقية مقيته حين استفرددت فئة قليلة بثروات البلاد وعاش باقي الشعب على الهامش .

وتعد الارقام المسجلة بخصوص ظاهرة الانتحار في تونس مفزعة سيما أن الحالات التي رصدت يمثل الشباب منها 53 بالمائة وتتراوح أعمارهم من 15 إلى 25 سنة، وأن معدلاتها تتضاعف 3 مرات بعد الثورة (111 حالة)، وهو ما أكدته دراسات 200 حالة انتحار ومحاولة انتحار سنة 2014… وأكثر من 27 حالة تم رصدها مع مطلع العام الجديد (2015) مقابل 25 حالة لمثيله من العام المنقضي (جانفي 2014).

وأقدمت فتاة تبلغ من العمر 27 عاما في الاسبوع المنقضي على الانتحار شنقا في إحدى الضيعات الفلاحية بأحد أرياف محافظة نابل، سبقتها عملية انتحار الشاب سيف الدين الخرداني الذي أقدم على سكب البنزين على جسده وإضرام النار فيه، احتجاجا على حجز الوحدات الأمنية لعربة متجولة كان يستغلها في بيع السجائر، وتوفي متأثرا بجروحه التي صنفت من الدرجة الثالثة.

ليبدو أن الحديث عن الانتقال الديمقراطي الذي تحتفل به الدولة التونسية ومثلها الطبقة السياسية رغم الازمات التي كادت تجر البلاد الى منزلق الفتنة و التجاذب والانقسام لم تحقق الكثير من آمال هذه الفئة التي ازداد وضعها الاجتماعي تدهورا، فلجأت الى الانتحار.

يقول المحللون والدارسون لهذه الظاهرة انها عائدة الى الآمال الكبيرة التي علقتها هذه الفئات الهشة على الثورة التونسية أن تكون مخرجا لهم من التهميش والفقر والخصاصة ومنفذا واسعا لارساء عدالة اجتماعية و تحقيق تنمية عادلة للجهات المحرومة .

وردت الدراسات التي اشتغل عليه الاخصائيين في تونس ارتفاع حالات الانتحار لدى الشباب والاطفال وكبار السن والمقيمين بعيدا عن أسرهم، بالاساس الى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمستقبل الضبابي، الشئ الذي تتسبب في خلل نفسي لبعض التونسيين الذين وجدوا أنفسهم دون مسؤوليات مع غياب اللحمة الاجتماعية والترابط قد تؤدي بهم هذه العوامل للانتحار.

فيما اعتبر بعض الاخصائيين أن اسباب ارتفاع حالات الانتحار في صفوف الشباب عائد  إلى حالات الاكتئاب التي بات يعاني منها البعض والمشاكل العائلية فضلا عن حالات التفكك الأسري والعنف التي قد يعاني منها المراهق، مشددين على انه لا يمكن القول بأنها ظاهرة حديثة برزت إبان الثورة التونسية، بل هي طريقة جديدة قديمة يستخدمها البعض “كوسيلة ضغط” لتحقيق مطالبهم.

وفق دراسة أعدها «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» (غير حكومي)٬ تصدرت محافظة القيروان٬ وسط تونس٬ نسب الانتحار بتونس عام ٬2014 بواقع 31 حالة انتحار من مجموع 203 حالة بكامل البلاد، وتركزت حالات الانتحار بمحافظة القيروان منها في صفوف تلاميذ والمنقطعين عن الدراسة٬ عائدة بالاساس الى ضيق ذات اليد٬ وفقر سياسات التنمية٬ وغياب الحافز والتواصل الإنساني بين مكونات المجتمع ، حلول ناجعة لها٬ تتضمن سياسة اجتماعية شاملة٬ والحث على تبني نمط للعيش السليم.

وحسب المنتدى٬ تراوحت أسباب تفاقم الظاهرة٬ بين عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية٬ كما شملت حالات الانتحار مختلف الفئات السنية بين 9 سنوات و75 عاما من التلاميذ والموظفين والعاطلين والمزارعين والتجار. إلا أن المنتدى أفاد بأن القاسم المشترك بين هذه الحالات هو انتماؤهم للمناطق الريفيّة بمحافظة القيروان التي يشكل فيها سكان الريف حوالي 68 بالمائة من عدد السكان المقدر بـ600 ألف٬ وفقا لإحصائيات رسميّة.

 

ماذا يقول الاخصائيين في هذه الظاهرة؟

 غياب الاسرة والاكتئاب

 

 عبد الستار السحباني٬ وهو مختص في علم الاجتماع بتونس وصاحب دراسة حول الانتحار٬ أوضح في تصريح له أنه تم تسجيل 18 حالة انتحار أطفال في ٬2014 مشيرا إلى أنّه «من أهم أسباب هذه الظاهرة غياب الحوار بين مكونات الأسرة مع الأطفال الذين يعانون من حالة اكتئاب بالإضافة لغياب الحوار في الوسط المدرسي مع المربي.

وقال السحباني إن «تونس شهدت 203 حالات ومحاولات انتحار في ٬2014 أي بمعدل 17 حالة ومحاولة شهريا»٬ موضحا أن «الشريحة العمرية بين 26 و35 سنة هي التي تتصدر حالات الانتحار بـ60 حالة فيما بلغ عدد حالات انتحار الأطفال 18 حالة من بينها 12 حالة تخص الفتيات».

الاحباط النفسي وأثار التسويق الاعلامي للظاهرة

حول هذه الظاهرة تقول  ريم سعيدان٬ وهي اخصائية اجتماعية بإدارة الشؤون الاجتماعية التونسية، أن الانتحارتحول إلى ظاهرة بحكم التغيرات المتتالية الحاصلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ونسق الأحداث المتتالية التي تسببت في إحباط نفسي»٬ مضيفة «اقترن الانتحار بفعل ثوري أو موقف من الحياة وهي صورة لعب الإعلام دورا في التسويق لها دون الأخذ بعين الاعتبار مما قد يؤثر في هذه النفوس خصوص لدى الأطفال».

واعتبرت سعيدان أن «حل الظاهرة سياسي بالأساس٬ ويجب أن ينطلق من تبني سياسة اجتماعية عاجلة تمكن من حلول قريبة المدى وبعيدة الأهداف».

 

الدكتور التونسي محمد دمق٬ والمختص في الطب النفسي اعتبر في حديثه حول الإحصائيات المتداولة مؤخرا عن نسب وأرقام حالات الانتحار في تونس، أن القول بأن أسبابها مرتبطة بالفقر والبطالة وتدني التنمية٬ لا تعكس الحقيقة، مستدلا بالأزمات الاقتصادية التي عاشتها عددا من الدول ولم تتسبب في ارتفاع نسب الانتحار وبالتالي فإن هذه الإحصائيات لا ترتكز على أساليب علمية دقيقة في الاستدلال كما من الضروري أن تتوفر فيها عوامل قوية لتأكيد هذه الفرضيات فليس من المنطق أن تكون الأسباب اجتماعية واقتصادية صاحبة المرتبة الأولى في عدد حالات الانتحار خاصة وأن هناك ولايات أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية أكثر تدٍّن.

وكشف دمق أن الاكتئاب مرض نفسي قد يؤدي للانتحار وهو لا يفرق بين فرد غني أو فقير كما أن النساء عرضة للاكتئاب أكثر من الرجال وهو من الأمراض التي قد تؤثرعلى بلاد بأكملها نفسيا وتتسبب فيها الكوارث الطبيعية وحالات الموت الحقيقية وهي عوارض قد تؤدي للاكتئاب.


وكشف تقرير اعدته منظمة الصحة العالمية، مؤخرا حول ظاهرة الانتحار،احتلال تونس المرتبة السادسة عربيا سنة 2014 بمعدل 2.4 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص. واوضحت المنظمة في تقريرها ان الانتحار ظاهرة عالمية في جميع أقاليم العالم ويجب على الدول تطبيق استراتيجيات شاملة لمنع الانتحار.مشيرة الى ان الدول العربية شهدت ارتفاعا سريعا في معدلات الانتحار حيث وصل إلى 4 منتحرين في كل 100 ألف نسمة في العقد الأخير.

وبالرغم من بدء المنظمات الحقوقيّة والاجتماعيّة في التحرك الميداني للتحسيس بخطورة ظاهرة الاقدام على الانتحار٬ والحد من تفشيها٬ عبر أنشطة تربوية وثقافيّة بالاشتراك مع الهياكل الرسميّة والمختصّين في علم النفس والاجتماع فان الانتحار لم يتوقف٬ بل تزايد٬ حسب مراقبون.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*